عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

187

اللباب في علوم الكتاب

أي : فعلوه ، والمعنى : إذا سلّمتم ما جئتم وفعلتم . فعلى هذه القراءة يكون التّسليم بمعنى الطّاعة ، والانقياد ، لا بمعنى تسليم الأجرة ، يعني : إذا سلّمتم لأمره وانقدتم لحكمه . وقال أبو عليّ : ما أتيتم نقده أو إعطاءه ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، وهو عائد الموصول ، فصار : آتيتموه ، أي : جئتموه . وأما قراءة عاصم ، فمعناها : ما آتاكم اللّه وأقدركم عليه من الأجرة ، وهو في معنى قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] . ثم حذف عائد الموصول ، وأجاز أبو البقاء أن يكون التقدير : ما جئتم به ، فحذف ، يعني : حذف على التّدريج بأن حذف حرف الجرّ أولا ؛ فاتّصل الضمير منصوبا بفعل ، فحذف . و « ما » فيها وجهان : أظهرهما : أنها بمعنى « الّذي » وأجاز أبو عليّ فيها أن تكون موصولة حرفيّة ، ولكن ذكر ذلك مع قراءة القصر خاصّة ، والتقدير : إذا سلّمتم الإتيان ، وحينئذ يستغنى عن ذلك الضّمير المحذوف ، ولا يختصّ ذلك بقراءة القصر ، بل يجوز أن تكون مصدريّة مع المدّ أيضا ؛ على أن المصدر واقع موقع المفعول ، تقديره : إذا سلّمتم الإعطاء ، أي : المعطى . والظاهر في « ما » أن يكون المراد بها الأجرة التي تتعاطاها المرضع ، والخطاب على هذا في قوله : « سلّمتم » و « آتيتم » للآباء خاصّة ، وأجازوا أن يكون المراد بها الأولاد ، قاله قتادة والزهري ، وفيه نظر ؛ من حيث وقوعها على العقلاء ؛ وعلى هذا فالخطاب في « سلّمتم » للآباء والأمّهات . قوله تعالى : « بالمعروف » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يتعلّق ب « سلّمتم » أي : بالقول الجميل . والثاني : أن يتعلّق ب « آتيتم » . والثالث : أن يكون حالا من فاعل « سلّمتم » ، أو « آتيتم » ، فالعامل فيه حينئذ محذوف ، أي : ملتبسين بالمعروف . فصل [ في أن حصل الرضاعة ثم مانع عن الرضاعة ] قد تقدّم أنّ الأمّ أحقّ بالرّضاع ، فإن حصل ثمّ مانع عن ذلك ، جاز العدول عنها إلى غيرها ، مثل أن تتزوّج بزوج آخر ، فإنّ قيامها بحقّ ذلك الزوج يمنعها من الرّضاع . ومنها : إذا طلّقها الزوج الأوّل ، فقد تكره الرّضاع ؛ حتى يتزوّج بها زوج آخر . ومنها : أن تأبى المرأة إرضاع الولد ؛ إيذاء للزّوج المطلّق وإيحاشا له .